إبراهيم بن علي الحصري القيرواني
375
زهر الآداب وثمر الألباب
[ من عرف قدر النعمة استدامها ] خطب سليمان بن عبد الملك فقال : أيها الناس ، من لم يعلم أبواب مدخله في الكرامة ، وجهل طريقته التي وقعت به على النّعمة كان بعرض رجوع إلى دار هوان ، وانقلاب بفادح خسران . فقام إليه أبو وائلة السدوسي ، وهو حاجبه ، فقال : يا أمير المؤمنين كنا كما قال اللَّه تعالى : * ( ( هَلْ أَتى عَلَى الإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ) ) * ، ثم صرنا كما قال زهير : يد الملك الجليل تناولتهم بإحسان فليس لها مزيل لأنّ الخير أجمع في يديه وربّى بالجزاء له كفيل فقال سليمان : هذه واللَّه المعرفة بقدر النّعمة ، والعلم بما يجب للمنعم . ورؤى يونس بن المختار في دار المأمون ، ومرتبته في أعلى مراتب بنى العباس ، قاعدا على الأرض ، فقال الحاجب : ارتفع يا أبا المعلَّى إلى مرتبتك ، قال : قد رفعني اللَّه إليها بأمير المؤمنين ، وليس لي عمل يفي بها ، فلم لا أكرمها عن القعود عنها « 1 » إلى أن يتهيّأ لي الشكر عليها ؟ فبلغ الكلام المأمون ؛ فقال : هذا واللَّه غاية الشكر ، وبمثله تدرّ النّعم . وقال رجل للمعلَّى بن أيوب ، وقد رفعه المعتصم إلى مرتبة أهل بيته : ما يزيدك التقريب إلا تباعدا . فقال : يا هذا ؛ إني أصون تقريبه إياي بتباعدى منه ؛ لئلا تفسد حرمتي عنده بقلَّة الشكر على نعمته . ولما استعان المنصور بالحارث بن حسّان قال له : يا حارث ؛ إنّى قد مكَّنتك من حسن رأيي فيك ، فاحفظه بترك إغفال ما يجب عليك ! قال : يا أمير
--> « 1 » في نسخة بولاق « عليها »